محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

217

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

قال : ومِن ذلك قولُه تعالى : { وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين } [ الأعراف : 142 ] وهو عام ، فدخل فيه قبولُ قولهم . أقول : يَرِدُ على كلام السَّيِّد بهذه الآية إشكالات : الإشكال الأول : أنَّه ترك بيان وجه الاستدلال بهذه الآية كأنه لا يحتاج إلى الذكر لوضوحه ، فنقول : لا يخلو إما أن يقولَ بالمعنى السابق إلى الأفهام أو يتعنَّت ويُلاحظ ألفاظ العموم ، إن كان الأول ، فلا شَكَّ أنه لا يَسْبِقُ إلى الأفهام من قوله : { وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين } لا يُقبل حديث المتأولين المتدينين الذين بلَّغوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يغْلِبُ على ظنِّك أنه صحيح ، وأنَّك متى خالفته استحققتَ العقوبةَ من الله تعالى ، وإنما يسبق إلى الفهم تحريمُ اتباعِ سبيل المفسدين في الفساد في الأرض الذي هو إخافةُ السبل ، وسفكُ الدماء وقد ذكر أهل العلم أن هذا هو المفهومُ في مثل ذلك ، فقالوا : إن القائل إذا قال لِغيره : اتبع سبيلَ الصالحين ، فُهِمَ أن مرادَه في صلاحِهم ، ولا يلزم أن يَتَّبِعَ سبيلَهم فيما ليس مِن قبيل الصلاحِ من سكونِ بُلدانهم التي نشأوا فيها ، ولزومِ معايشهم التي اعتادوا جِنسَها ونحو ذلك ، بل قال العلماءُ بذلك في حقِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أمرنا الله أن نتأسَّى به ، ونقتديَ به - فقالوا : لا يلزمُ من ذلك اتباعُه في أمور الجِبِلَّةِ التي يفعلُها بداعي الطبيعة من كراهة بعض المآكل ، وحُبِّ بعضِ الروائح والأزواج ما لم يَكنْ في ذلك قربةٌ ورد بها الشرعُ ، وذلك لأنَّا لم نفهم أن متابعتَه في ذلك مرادةٌ بكلامِ الله تعالى ، وإن كان إطلاقُ الأمرِ بالتأسي يقتضي ذلك في أصلِ الوضع اللغوي ، وكذلك قوله : { وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين } لم يُرِدِ العمومَ في كُلِّ سبيل حتى لو فعلوا بعضُ المباحات لحرمت علينا ، ألا ترى أنَّ بني العباس لمَّا استعملوا القصورَ الحصينة والطبول والآلات